الشيخ الطبرسي

308

تفسير مجمع البيان

( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ) عذابهم في الدنيا : إذلالهم بالقتل والأسر والسبي والخسف والجزية ، وكل ما فعل على وجه الاستخفاف والإهانة . وفي الآخرة : عذاب الأبد في النار ( وما لهم من ناصرين ) أي : أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى . ( وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ) أي : يوفر عليهم ، ويتمم ( أجورهم ) أي : جزاء أعمالهم ( والله لا يحب الظالمين ) أي : لا يريد تعظيمهم وإثابتهم ، ولا يرحمهم ، ولا يثني عليهم . وهذه الآية حجة على من قال بالإحباط لأنه سبحانه وعد بتوفير الأجر ، وهو الثواب . والتوفية منافية للإحباط ( ذلك ) إشارة إلى الإخبار عن عيسى وزكريا ويحيى وغيرهم ( نتلوه عليك ) نقرأه عليك ، ونكلمك به . وقيل : نأمر جبرائيل أن يتلوه عليك ، عن الجبائي ( من الآيات ) أي : من جملة الآيات والحجج الدالة على صدق نبوتك ، إذا علمتهم بما لا يعلمه إلا قارئ كتاب ، أو معلم ، ولست بواحد منها ، فلم يبق إلا أنك عرفته من طريق الحي ( والذكر الحكيم ) القرآن المحكم . وإنما وصفه بأنه حكيم لأنه بما فيه من الحكمة ، كأنه ينطق بالحكمة ، كما تسمى الدلالة دليلا ، لأنها بما فيها من البيان ، كأنها تنطق بالبيان والبرهان ، وإن كان الدليل في الحقيقة هو الدال . ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ 59 ] الحق من ربك فلا تكن من الممترين [ 60 ] فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكافرين [ 61 ] ) . اللغة : المثل : ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني ، سبيل الأول . وتعالوا : أصله من العلو يقال : تعاليت أتعالى أي : جئت . وأصله : المجئ إلى ارتفاع ، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلم . وقيل في الابتهال قولان أحدهما : إنه بمعنى الالتعان . وافتعلوا بمعنى تفاعلوا ، كقولهم : اشتوروا بمعنى تشاوروا . بهله الله أي : لعنه الله . وعليه بهلة الله أي : لعنة الله والآخر : إنه بمعنى الدعاء بالهلاك . قال لبيد : " نظر الدهر إليهم فابتهل " أي دعا عليهم بالهلاك . فالبهل كاللعن وهو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته ، ولذلك لا يجوز أن يلعن من